المنجي بوسنينة

409

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وكيف تعرّف عليه هذا الملك النّصراني ؟ هل بلغ الإدريسي من الشّهرة ما جعل صاحب صقليّة يستدعيه مباشرة من مسقط رأسه إلى صقليّة ؟ وهل كان لهذا الأخير هدف سياسي - عسكري من وراء استدعاء الإدريسي ذي النّسب العريق ؟ نحن نرجّح أن يكون الإدريسي قد اتصل بروجار الثاني عن طريق فرع من عائلة بني حمّود كان يقيم بجزيرة صقليّة ، وكان له جاه ونفوذ في العهد العربي احتفظ بهما حتّى بعد خضوع الجزيرة للنّصارى . ولم تكن للملك الصقلّي من غاية في استدعاء الإدريسي إلّا الجانب العلمي . فقد أراد أن يضع له كتابا علميا في جغرافية العالم بأكمله ، ويصنع له خريطة دقيقة لما هو معروف منه في ذلك الوقت . كان بلاط هذا الملك المعجب بحضارة العرب يعجّ بكثير من العلماء : من مسلمين ونصارى ويهود ، شجّعهم روجار الثاني على الاستقرار بالجزيرة . وكان هذا البلاط بحقّ ملتقى لحضارتين عربيّة إسلاميّة وغربيّة مسيحيّة في جوّ من التّسامح الدّيني والحريّة الفكريّة قلّ نظيرهما في ذلك الزمن . وكان الملك نفسه عارفا بالعلوم الرّياضيّة شغوفا بجمع الكتب العلميّة العربيّة واليونانيّة . دخل الإدريسي صقليّة سنة 533 ه / 1138 م ، أي بعد حوالي نصف قرن من خروج الجزيرة من يد المسلمين وخضوعها للنّورمان سنة 483 ه / 1090 م . وتشجّع المسلمون على البقاء بالجزيرة لما أبداه حكّامها الجدد من تسامح تجاههم . فكانوا يمارسون شعائرهم الدّينية في أمن ، ويقومون بنشاطهم التّجاري والفلاحي والصّناعي بكلّ حريّة . واستقرّ الإدريسي بين ظهرانيهم فأكرمه روجار الثاني وأكبره حتّى أنّه كان يجالسه في نفس المكان ببلاطه ، ورتّب له جراية لا تكون إلّا للملوك . تفرّغ الإدريسي في بلاط روجار الثاني لمشروعه العلمي الكبير مستعينا بفريق من المساعدين وضعوا تحت تصرفه . ولم ينته منه إلّا بعد خمس عشرة سنة ، أي سنة 548 ه / 1154 م . وما إن انتهى منه حتى توفّي روجار الثاني فخلفه ابنه غيوم الأوّل فألّف له الإدريسي كتابا في الجغرافيا ، هو الكتاب الثاني المنسوب إليه في هذا الميدان . ورغم أن الإدريسي بقي مكرّما في بلاط غيوم الأول إلّا أنّ الفتن التي جدّت في عهد هذا الملك لم تكن لتجعل الجوّ ملائما لأمثال الإدريسي من المسلمين للبقاء بالجزيرة ، خاصّة وقد بدأت نعرة التعصّب الدّيني فيها تبدو جليّة واضحة ضدّهم . ومع ذلك نظلّ نتساءل - نظرا إلى قلّة المعلومات - هل مات الإدريسي في صقليّة ، أو انتقل إلى سبتة حيث مات سنة 560 ه / 1164 م أو سنة 564 ه / 1169 م ؟ ولئن أهملت المصادر والمراجع أهمّ مراحل حياة الإدريسي ربما للعلاقة المتينة التي كانت تربطه بولي نعمته الملك النصراني روجار الثاني ملك صقلية في فترة اشتدت فيها الحملات الصليبية على العالم الإسلامي شرقا وغربا ، مما جعل حياته يكتنفها كثير من الغموض ، فقد اهتمّت اهتماما فائقا بكتابه « نزهة المشتاق في اختراق الآفاق » الذي يعتبر في عصره أدقّ وثيقة في الجغرافيا بقسميها الطبيعية والبشرية ، كما عدّ به الإدريسي أشهر عالم متخصّص في فنّ الجغرافيا منذ نشوئه إلى نهاية القرون الوسطى . لقد استدعى